لعل ما يتردد الآن على ألسنة الناس أنه لم يعد يضحكهم شيء، فهل تعثرت الكوميديا الساخرة في إضحاك الناس أم أنها لا تزال تتصدر عالم الترفيه الحالي؟ يبدو أن كثيرا من الأجيال الجديدة أكثر تفاعلا مع النكات الساخرة؛ لأن الدهشة لا تزال باقية في أذهانهم وهم لا يزالون يتعرفون إلى العالم، بينما من كبر في السن؛ قاربت أن تموت الدهشة في ذهنه، لأن السنوات الممتدة كشفت له من مفارقات الحياة ما يفوق النكات سخرية. لذلك تبدو الأجيال الجديدة أكثر تأثرا بالنكتة الساخرة، ولكن في شكلها الجديد. فما السبب وراء غياب الدهشة وتواري الضحكة عندما يسمعون أو يرون مشهدا يزعم صاحبه أنه يضحكهم؟!

لعل سرعة تداول الطرفة هذه الأيام جعلتها تولد بسرعة وتموت بالسرعة نفسها، فمواقع التواصل الاجتماعي سهلت الوصول إليها، كما سهلت الوصول إلى غيرها من بعدها، حتى محا هذا السيل المتتابع من النكات أثر النكتة السابقة، وجعل الضحكة صعبة أو سريعة الزوال من شفاه المتلقي. بل هناك من يقول إن مواقع التواصل الاجتماعي اختزلت مختلف مشاعرك في لحظات متتابعة؛ فقد ترى ما يضحكك في لحظة، وبعدها بثوان معدودة ترى ما يبعث على الحزن في داخلك، وتنقلك سريعا من المرح إلى الجدية، ومن الاسترخاء إلى إعمال عقلك.

وثمة سبب أجهز على السخرية في الوقت الحديث، وهو عولمة الكوميديا؛ فالمكينة الإعلامية الغربية كانت سابقا صعب الحصول عليها أو قليلة الوصول إلينا، والكوميديا المحلية تسيطر على المشهد الإعلامي. أما وقد تمكنت وسائل الإعلام الغربية من معظم المنصات الإعلامية، بل صارت معظمها على هاتفك المتحرك، فقد أصبح تأثير الكوميديا الغربية هو الأبرز، حتى اعتادت الأجيال أسلوبهم في الكوميديا وطرائقهم المتعددة في جذب انتباه المشاهد، بل نقلوا إلينا ثقافتهم في الكوميديا، مثل الكوميديا الارتجالية، حتى ظهرت برامج ومسارح محلية تحاكيهم إلى حد بعيد.

ولعل هذا الأخير يذهب بنا إلى أن ثمة توحيدا لأنماط الكوميديا وفق النموذج الغربي؛ فسابقا كانت النكتة المصرية ذات طابع خاص، والخليجية لها أسلوبها المميز، بينما كانت الكوميديا في الشام لها طريقتها الفريدة. لكن بسبب هذا التنميط أصبح الشكل متشابها إلى حد كبير، ولا يتغير فيه إلا اللغة التي يلقى بها، بل وأحيانا يلقى باللغة الإنجليزية، وكأن المطلوب أن تتفاعل بالطريقة نفسها.

وكمثال على تقمص النمط الغربي، عندما تحضر فيلما في السينما تجد بعض المشاهدين يتهيؤون للضحك حتى قبل أن يبدأ المشهد الكوميدي، تقليدا للأجواء الغربية في مشاهدة الأفلام، بينما يشاهد الشخص نفسه الفيلم ذاته في منزله فلا يضحك، ولا حتى يبتسم.

أخيرا، لم تمت النكتة، لكن الدهشة خبتت لدى كثيرين، وإنما معظم ما هو موجود الآن هو إعادة صياغة محلية لنكتة عالمية بعد أن خضعت للأنماط الاجتماعية نفسها. فإن كان ثمة ما يقال عن الثقافة السائلة، فلا شك أن الكوميديا جزء من الثقافة، فجاز لنا أن نقول أيضا: أصبحت النكات هي الأخرى سائلة، شأنها شأن الثقافة التي أنتجتها.