كأس العالم.. الحدث الذي تتوجه إليه أنظار العالم كل 4 سنوات، وتزدحم به الشاشات والمنصات، وتعلق عليه الآمال والتوقعات، وتروى بعده النتائج والحكايات. لا يكاد يمر يوم من أيامه إلا وهو حديث الناس في مجالسهم؛ فهذه البطولة بالنسبة لعشاقها ليست مجرد مباريات تلعب، بل مشاعر تتأجج وأحلام تتجدد مع كل صافرة تطلق.

في أحد تلك المجالس، كان الحديث يدور حول خروج المنتخب السعودي من البطولة، حين تنهد أحد الحاضرين وقال في حزن يتملكه: إلى متى ونحن نودع كأس العالم من دور المجموعات؟ لم يكن يتحدث بغضب، بل بألم المشجع الذي كبر وهو ينتظر أن يرى منتخب بلاده ينافس على الأدوار المتقدمة، ويحلم أن تتحول الفرحة العابرة إلى إنجاز تاريخي في كل مشاركة.

وعلى أني لست من رواد هذه البطولة، إلا أن صدى سؤاله ظل يتردد داخلي، ليبرز سؤال آخر: هل هذه الظاهرة تخص المنتخب وحده؟ أم أننا نرى المشهد ذاته في ميادين وطنية أخرى، نحقق فيها ربما إنجازا ملحوظا، لكنه يبقى مترنحا في مكانه دون تقدم يذكر.

ولأني كنت ممثلا وطنيا للاختبارات والتقييمات الدولية للأنظمة التعليمية (TIMSS, PIRLS, PISA)، أول ما تبادر إلى ذهني هو ترتيب التعليم السعودي في تلك التقييمات؛ فكما ظل منتخبنا يكرر خروجه من المرحلة ذاتها، بقي ترتيب تعليمنا الدولي عالقا في الثلث الأخير لسنوات طويلة.

ولعلك عزيزي القارئ تشاركني الهم لنطرح سؤالا مهما: لماذا لم نحقق قفزة نوعية في تلك الاختبارات والتقييمات التعليمية؟

إن كان وطننا اليوم يتمتع باستراتيجية شاملة، ورؤية طموحة، وقدرات بشرية متميزة، ومسؤولين مخلصين، وقيادة داعمة تؤمن بأن المواطن هو الاستثمار الأول، حتى أصبحت المملكة تحتل المرتبة الثالثة عالميا في الإنفاق الحكومي على التعليم وفق الكتاب السنوي للتنافسية العالمية (IMD 2022)، فأين تمكن المشكلة؟

أرى أن الأمر يعود إلى 3 أسباب جوهرية:

السبب الأول: المنعطفات الاستراتيجية والتقلبات التنظيمية.

الأنظمة التعليمية الرائدة لا تغير اتجاهها مع كل مسؤول، ولا تبدأ من الصفر مع كل خطة جديدة، بل تطور نفسها بصورة تراكمية، وتبني على ما تحقق، وتراجع ما لم ينجح، دون أن تهدم ما سبق؛ فالاستقرار الاستراتيجي والتنظيمي أساس لنجاحها بعد توفيق الله.

تؤكد الأدبيات الدولية أن الإصلاحات التعليمية تحتاج إلى نفس طويل واستقرار في الرؤية حتى تؤتي ثمارها؛ إذ تشير تقارير البنك الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى أن نتائج الإصلاحات الكبرى غالبا لا تظهر قبل مرور خمس إلى عشر سنوات من التنفيذ المتسق، وأن تغيير الأولويات أو الهياكل التنظيمية بصورة متكررة يضعف استدامة الإصلاح ويقلل من أثره.

كما خلص تقرير (How the World's Most Improved School Systems Keep Getting Better) الصادر عن شركة ماكنزي، إلى أن الأنظمة التعليمية الأكثر تحسنا حافظت على استراتيجياتها الجوهرية عبر تغير القيادات، وركزت على التطوير التراكمي بدلا من إطلاق مبادرات متفرقة. فالاستقرار الاستراتيجي ليس مقاومة للتغيير، بل هو الضامن لأن يكون كل تغيير امتدادا لما سبقه، لا قطيعة معه، وهو ما يجعل التحسن يتراكم دورة بعد أخرى حتى يتحول إلى نهج راسخ في التميز والريادة.

السبب الثاني: غياب فرسان الميدان عن المشاركة في تطوير المنظومة التعليمية.

من الصعب أن نطالب المعلم بتحقيق نتائج عالمية، بينما يظل دوره في بناء المنظومة التعليمية وصياغة سياساتها محدودا. فالمعلم هو الأقرب إلى الطالب، والأكثر معرفة بتحديات الفصل الدراسي، ولذلك فإن استبعاده من صناعة القرار يعني فقدان أهم مصدر للمعرفة التطبيقية.

الإصلاحات التعليمية الأكثر نجاحا في العالم لم تبن للمعلمين، بل بنيت معهم، إذ تؤكد دراسات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أن الأنظمة التعليمية التي تمنح المعلمين دورا أكبر في اتخاذ القرارات المتعلقة بالمناهج، والتقويم، وتحسين البيئة المدرسية، تحقق مستويات أعلى من الكفاءة والتعاون والرضا المهني، وهي عوامل ترتبط بتحسين جودة التعليم.

كما أظهرت نتائج الدراسة الدولية للتعليم والتعلم (TALIS 2024) أن مشاركة المعلمين في رسم أولويات تطوير المدارس والسياسات التعليمية تختلف بصورة كبيرة بين الدول، وأن بعض الأنظمة المتقدمة تمنحهم مساحة أوسع للتأثير في القرارات التربوية، بينما أشارت البيانات إلى أن مشاركة المعلمين في هذا الجانب محدودة في السعودية مقارنة بعدد من الأنظمة التعليمية الأخرى.

إن بناء تعليم منافس عالميا يبدأ بالاعتراف بأن المعلم ليس مجرد منفذ للسياسات، بل شريك في تصميمها وتطويرها؛ فكلما ارتفع صوته داخل المنظومة، ارتفعت فرص نجاحها خارج حدودها.

السبب الثالث: تحول المقاييس والمؤشرات إلى أهداف وغايات.

من أكبر الأخطاء التي تقع فيها المنظومات التعليمية أن تتحول المؤشرات إلى غايات، فالاختبارات الوطنية ليست للمنافسة، والتقييمات الدولية ليست للمسابقة، وإنما صممت لتشخيص جودة التعليم وتحديد مواطن الضعف والقوة. لكن حين تنشغل المنظومة برفع درجات تلك التقييمات أكثر من انشغالها برفع جودة التعليم والتعلم، فإنها تستبدل الأدنى بالأعلى، ولن تبلغ مرادها الأسمى ولو بعد حين.

يؤكد الاقتصادي البريطاني تشارلز جودهارت هذه الفكرة في قانونه: «عندما يتحول المؤشر إلى هدف، فإنه يفقد قيمته». كما حذرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) في تقاريرها الخاصة بالبرنامج الدولي لتقييم الطلبة (PISA) من توجيه التعليم نحو "التدريب على الاختبار"، مؤكدة أن الأنظمة الأعلى أداء لا تركز على الاختبارات نفسها، بل على تنمية القدرات العلمية والمهارات الشخصية.

ولعل المشجع الذي سأل في ذلك المجلس "متى نحقق الحلم؟" لم يكن يدرك أنه طرح سؤالا يتجاوز حدود كرة القدم؛ فالأمم لا تصنع أحلامها في الملاعب وحدها، بل تصنعها أولا في مدارسها. وحين يصبح التعليم مشروعا مستقرا، يشارك في بنائه أصحاب المصلحة كافة، ويقاس بجودة مخرجاته لا بأرقامه، فلن يكون التقدم في الاختبارات الوطنية والتقييمات الدولية هدفا، بل سيكون أحد ثماره الحتمية.