أعطت السعودية درسا جديدا في تغليب الحكمة وسياسة الاحتواء لا التصعيد، بعد أن نادت جماعة أنصار الله في اليمن، لقبول مبادرة المملكة الأردنية الهاشمية، بتسيير رحلات جوية إنسانية وتجارية منتظمة، بين صنعاء والعاصمة عمّان.

موافقة الحكومة الشرعية
وجاء النداء السعودي الذي أطلقته وزارة الخارجية في بيان مفصل، في أعقاب أن ارتضت الحكومة الشرعية اليمنية بها، في خطوة تعكس الاتجاه لبذل الجهود الرامية للتنفيس عن الشارع اليمني، المكبوت جراء تصرفات الجماعة المنفلتة.

ترحيب رسمي
ورحبت الرياض عبر بيان الخارجية، بموافقة الحكومة اليمنية على هذه المبادرة، باعتباره تصرف إيجابي يعكس حرصها على تسهيل الإجراءات التي تخدم المواطن اليمني، وتدعم الجهود الرامية إلى تخفيف المعاناة الإنسانية عن كاهله.

رسالة للحوثي
والمملكة معروف عن سياستها الخارجية، عدم سلوك مسلك الفجور في الخصومة، وهذا ما تؤكده دعوتها الحوثيين؛ إلى التفاعل الإيجابي مع هذه المبادرة، بدلا من تكرار قراراتهم السابقة، التي تسببت في زيادة معاناة الشعب اليمني، مطالبة في الوقت عينه بالتوقف عن أي ممارسات أو إجراءات تصعيدية، تجر اليمن وشعبه لمزيد من المعاناة.

دعم المبادرات
والحقيقة أن المملكة لم تتوقف عند هذا الحد - أي دعوة الحوثيين -، بل أكدت حرصها على توحيد اليمن وتحقيق الأمن والاستقرار على كل أراضيه، حيث جددت دعمها لكل المبادرات، التي تسهم في تحقيق الأمن والاستقرار في اليمن، بما يحفظ سيادته ويحقق تطلعات شعبه الشقيق.

إنسانية سعودية بمواجهة الخيبات
حينما سألت «مكة» عمر الشدي رئيس تحرير صحيفة اليوم سابقا، عن تفسير للموقف السعودي الأخير، ودعوتها للحوثي بتغليب الحكمة؛ جزم الرجل بأن المملكة، لم تتأخر يوما عن إبراز دوافع حرصها على سلامة وكرامة الإنسان اليمني؛ ليس من باب الدعاية السياسية ولا البهرجة الإعلامية، بل من واقع كثير من المواقف.

الرياض ومصلحة الشعب اليمني
وفي واقع الأمر، الشدي لا يتحدث من فراغ، بل يستدل بتأييد الرياض لجميع القرارات التي تصب في مصلحة الإنسانية، آخرها ما جاء في بيان وزارة الخارجية، التي دعت جماعة الحوثي للتفاعل الإيجابي مع هذه المبادرة، بدلا من تكرار مزيدا من الخيبات، التي غالبا ما تنصب ضد مصلحة الشعب اليمني، بينما لم يفت عليه، الاستشهاد والتذكير بدعم المملكة مرارا للاقتصاد اليمني عبر ودائع متكررة، لتخطي الأزمات الخانقة، التي يعيشها الإنسان.

الأرقام تتحدث
وببحث مرتبط بلغة الأرقام عن دور السعودية المحوري من ناحية دعم اليمن، وهي التي تصنف كأكبر سند تاريخي لتلك الدولة، يتضح حجم الدعم الذي قدمته المملكة منذ 2012 حتى العام الماضي 2025، فقد بلغ ما يزيد على 12 مليار دولار أمريكي (أكثر من 2 ترليون و800 مليار و200 مليون ريال يمني)؛ أسهم بالدرجة الأولى بتثبيت الاقتصاد، وتعزيز أداء المؤسسات، وضمان استمرار الخدمات الأساسية.

برنامج إعادة الإعمار
وضمن الأيادي الإنسانية السعودية التي أوغلت في اليمن، أسست المملكة في مايو من 2018، «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»؛ وهو برنامج يعمل على تنفيذ مشاريع وبرامج تنموية، تستهدف قطاعات حيوية وأساسية، تشمل التنمية الإنسانية والصحية، والبنية التحتية والطاقة والمياه؛ وغير ذلك.

ابتعاد عن توجهات الخارج
بالرجوع لمداخلة الشدي، فقد تمنى أن تنتهي جماعة الحوثي عن رفع لواء مصالح الخارج على حساب الوطن. ويقصد هنا بالخارج إيران، التي يتبعها أنصار الله. تترك «مكة» له حرية الحديث بهذا الصدد؛ إلى أن يصل للقول «للأسف تنطلق التوجهات الحوثية دائما من أفكار خارجية يرسمها ويخطط لها مسؤولون إيرانيون، لا تهمهم مصلحة الفرد اليمني، بل يسعون لتكريس تصدير فكر العداء والقتل والتخريب؛ كما حدث ويحدث في عدة أقطار».

السيادة اليمنية ودول الجوار
يسترسل بتحليله: الحوثي يرمي في البحر كل أفكار ومبادئ السيادة اليمنية، على حساب النظر بمصلحة أبناء الجلدة الواحدة. حتى أن دول الجوار لم تسلم منه. لقد ألغى مفهوم حسن الجوار التي تفرضها أدبيات العروبة. وقبل ذلك أوقف تنمية اليمن وعزله عن محيطة القريب والبعيد. العجرفة والخروج عن النص أثبتت أنها بلا جدوى. طهران لن تخدمهم. نتمنى أن يفهم زعماء الجماعة بأن اليمن للجميع، وليست طرفا مأجورا لأحد؛ لا إيران ولا غيرها. التاريخ واضح. إنه يكشف الأطراف الحريصة على اليمن، ويفضح من يسعى لتدميره وتوظيفه كورقة محروقة في أجندته الخاسرة. رسالتي باختصار؛ على الجماعة الاختيار بين أفكار طهران المتشددة، أو الوطن الذي يجمع كل شرائح المجتمع اليمني الكريم تحت سقف واحد. المغامرات لن تنفع أحد. على كل حال، أتمنى أن يستفيدوا من خطاب و مفاهيم الاعتدال السعودي. الرسالة الأخيرة تؤكد ذلك بما لا يدع للشك مجال. ليتهم يفهمون.