في إحدى قاعات الأفراح بمدينة جدة، وبينما كنت أشارك إحدى الأسر القادمة من منطقة الباحة مناسبة زواجها، دار بيني وبين أحد الحضور حديث بدأ بسؤال اجتماعي بسيط، لكنه انتهى إلى قضية تنموية تستحق التأمل.

قلت له: لماذا أصبحت بعض أفراح أبناء الباحة تقام خارج المنطقة؟ هل هي مجرد رغبة في التغيير، أم أن هناك أسبابا أخرى؟

أجابني: الأمر ليس متعلقا بالمكان وحده، الباحة لها حضورها في ذاكرة أبنائها، لكن مفهوم المناسبة تغير؛ فالناس اليوم لا يبحثون عن قاعة فقط، وإنما عن منظومة خدمات متكاملة.

كانت هذه الإجابة المختصرة تفتح بابا أوسع لفهم التحولات التي حدثت في سلوك المستفيدين؛ ففي الاقتصاد الحديث انتقلت كثير من القطاعات من مفهوم (تقديم الخدمة) إلى مفهوم (تصميم التجربة)، فلم يعد معيار المنافسة هو وجود المنتج، بل جودة الرحلة التي يعيشها الإنسان منذ لحظة اتخاذ القرار حتى نهاية الخدمة؛ فالفندق لم يعد مجرد سرير، والمطعم لم يعد مجرد طعام، وقاعة الأفراح لم تعد مجرد مساحة يجتمع فيها الناس، فالقيمة الجديدة أصبحت في إدارة التفاصيل، واختصار الوقت، وتقليل الجهد، ورفع مستوى الرضا.

سألته: لكن الباحة تضم قاعات متعددة، وبعضها يملك مواقع جميلة ومساحات مناسبة.

قال: هذا صحيح، لكن الفرق بين وجود الخدمة ونضج التجربة، ففي بعض المدن أصبحت القاعة تقدم نموذجا شاملا؛ التخطيط، والتنسيق، والضيافة، والتجهيز، والمتابعة؛ أما عندما يتحول صاحب المناسبة إلى مدير مشروع يبحث ويتابع وينسق، فإن تكلفة الجهد تصبح جزءا من قراره.

وهنا تظهر زاوية مهمة في تحليل الظاهرة؛ فالانتقال إلى مدن أخرى لا يعني بالضرورة غياب الإمكانات المحلية، بل قد يشير إلى وجود فجوة بين العرض المتاح والتوقعات الجديدة للمستفيد.

والأمر يتجاوز قرار أسرة أو مناسبة عابرة؛ فالأفراح تمثل قطاعا اقتصاديا مصغرا، فخلف كل زواج منظومة من الخدمات: القاعات، والفنادق، والضيافة، والتصوير، والتجميل، والتصميم، والنقل، والأسر المنتجة، وفرص العمل الموسمية، وعندما تنتقل المناسبة تنتقل معها سلسلة من المنافع الاقتصادية.

لذلك فإن السؤال ينبغي ألا يوجه فقط إلى ملاك القاعات، بل إلى منظومة الاستثمار والخدمات في المنطقة: كيف يمكن تطوير قطاع المناسبات ليصبح أكثر قدرة على المنافسة؟

وربما يكون من المناسب أن تتناول استراتيجية تطوير منطقة الباحة هذه الظاهرة بوصفها فرصة تنموية؛ من خلال دراسة سلوك المستفيدين، وتحليل التجارب الناجحة في المدن الأخرى، وتشجيع نماذج تشغيل جديدة تقوم على التكامل بين القاعات ومزودي الخدمات.

فالمدن الحديثة لا تحتفظ بسكانها وزوارها وبما تملكه من موارد فقط، بل بقدرتها على تحويل تلك الموارد إلى تجارب ذات جودة، والباحة تملك عناصر القوة: المكان، والطبيعة، والانتماء، والذاكرة الاجتماعية، لكن التحدي يبقى في تحويل هذه العناصر إلى خدمات تنافسية تلبي توقعات الإنسان المعاصر.

لذلك فالسؤال الأهم ليس: لماذا تغادر بعض أفراحنا الباحة؟، بل: كيف نصنع تجربة تجعل أبناء الباحة يختارونها أولا؟، فالفرح يعود دائما إلى المكان الذي يجمع بين جمال الذكرى وجودة التجربة.