نحو مراجعة عصرية للأعراف القبلية في ظل سيادة القانون
الثلاثاء، ٢١ يوليو ٢٠٢٦
إن المتأمل في حركة التحول الاجتماعي المعاصر يدرك يقينا أننا نعيش مخاضا فكريا ومرحلة مفصلية تتنازع فيها قيم الأصالة الموروثة وأدوات المعاصرة المتسارعة، في هذا الفضاء المتغير تعود إلى السطح تساؤلات جوهرية حول أدوار البنى الاجتماعية التقليدية وفي مقدمتها "القبيلة" التي عاشت لقرون طويلة تحكمها "الأعراف والسلوم" وهي منظومة تشريعية غير مكتوبة برهن الإنسان من خلالها على عبقرية فذة في إدارة الأزمات وصيانة الحقوق وتحقيق الاستقرار في بيئات كانت تفتقر آنذاك لمؤسسات الدولة المركزية.
بيد أن ثوابت التاريخ والسنن الكونية تؤكد دائما أن "الجمود مؤذن بالزوال". إن رغبة البعض في إبقاء الأعراف الاجتماعية على طبيعتها القديمة دون مراجعة أو تطوير وفي معزل عن سياق الدولة الحديثة وسيادة القانون، لم تعد ضربا من الوفاء للموروث بل باتت سببا في تآكله وإضعافه من الداخل، فالأدوات الفكرية والآليات التنظيمية التي صُنعت لإدارة مجتمعات المشافهة والرعي لا يمكنها بأي حال من الأحوال كبح جماح مجتمع يعيش في فضاء رقمي معولم محكوم بالسوشال ميديا والتمدد المدني المتسارع.
إن التحدي الحقيقي اليوم لم يعد مواجهة مهددات مادية تتطلب استنفارا تقليديا بل هو مواجهة "فوضى رقمية عابرة للحدود" تُدار بضغطة زر، فوضى قادرة على تمزيق النسيج المجتمعي وهدم قيم الفضل والرفعة وإشعال فتن الأنساب والتفاخر الأجوف في فضاءات افتراضية، لا يستفيد منها إلا الباحثون عن "الوهم" وصناعة المحتوى الزائف!!
أمام هذا الواقع تبرز حاجة ماسة وعاجلة لإنتاج "وعي اجتماعي جديد" وعي يتجاوز العفوية نحو الحوكمة، وينطلق من ثوابت الهوية الوطنية ليتواءم تماما مع الأنظمة السيادية للدولة.
ولتحقيق هذا الانتقال من نمط "العرف التقليدي" إلى نمط "المواطنة الواعية" أطرح هنا رؤية لميثاق قيمي ومجتمعي يرتكز على خمسة أبعاد استراتيجية:
أولا: الانتقال من الفزعة التضامنية إلى المسؤولية الفردية: في دولة النظام والقانون لم يعد مقبولا فقهيا ولا عقليا أن تتحمل الجماعة وزر أخطاء الأفراد العابثين بالنظام العام، إن ترسيخ مبدأ المسؤولية القانونية الفردية هو الخطوة الأولى لحماية المجتمع من شطحات المستهترين، وجعل القانون السيادي هو المرجعية الأولى والأخيرة في ردع التجاوزات.
ثانيا: الحوكمة المعرفية للموروث والتاريخ: إن قضايا التاريخ والأنساب ليست مشاعا رقميا للمساجلات والتكسب الإعلامي ورصانة المجتمع، تتطلب "مأسسة" هذه الملفات وحصرها في قنواتها المعتبرة من الوجهاء وأهل الاختصاص والعدالة، ومنع الاجتهادات الفردية غير المصرحة التي تفتح باب المهاترات وتجرّئ العامة على الموروث التاريخي.
ثالثا: ترسيخ الأخلاقيات الرقمية (المواطنة الرقمية): إن مواجهة الفوضى في منصات التواصل الاجتماعي (مثل X، وتيك توك، وسناب شات) لا تتم بالأدوات التقليدية كالمقاطعة المحدودة بل ببناء حصانة ذاتية وترسيخ مفهوم المواطنة الرقمية، ويشمل ذلك الامتناع الطوعي عن الدخول في مناظرات نسبية عقيمة، وإغلاق المنابر العشوائية التي تتحدث باسم المجموع دون تفويض أخلاقي أو نظامي.
رابعا: سرية الوثائق وحرمة الموثقات: إن الصكوك القديمة والمشجرات التاريخية تمثل إرثا وطنيا يحتاج إلى فحص علمي بعيدا عن صخب الرأي العام الالكتروني، والتعامل الراقي مع هذه الوثائق يوجب إخضاعها للتحقق السري والدقيق، وعند حدوث التنازع يكون اللجوء للمؤسسات الرسمية والقضائية في الدولة هو المسار الحضاري الوحيد.
خامسا: التكامل النظامي والمساندة القانونية: إن الهياكل الاجتماعية الحكيمة لا تنصب نفسها بديلا عن الدولة ولا تملك سلطة "التجريم" أو "العقاب"، بل هي خط دفاع قيمي وأدبي، ويتجلى دورها في رفع الغطاء المعنوي عن مثيري الفتن، وإعلان البراءة الفكرية من تصرفاتهم والمساندة الكاملة للجهات الأمنية في تطبيق الأنظمة، لا سيما نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية.
أخيرا، إن التحديث الذي ينشده عقلاء المجتمع اليوم ليس ابتداعا منقطع الجذور، بل هو الامتداد الطبيعي لشيمة الأجداد الذين صاغوا في زمانهم ما يصلح لعصرهم وصولا إلى الأحفاد الذين يتعين عليهم صياغة ما يواكب عصر الدولة والنظام والتنمية البناءة.
بقاء الهياكل الاجتماعية دون مراجعة وتطوير هو الذي يغذي أزمات الوعي، وقد حان الوقت ليتصدر الحكماء المشهد لتظل هذه الروابط ركيزة استقرار ومحضن عطاء ورافدا أصيلا من روافد بناء الوطن والارتقاء به تحت مظلة قيادته ورؤيته الطموحة.
_shaas_@
بيد أن ثوابت التاريخ والسنن الكونية تؤكد دائما أن "الجمود مؤذن بالزوال". إن رغبة البعض في إبقاء الأعراف الاجتماعية على طبيعتها القديمة دون مراجعة أو تطوير وفي معزل عن سياق الدولة الحديثة وسيادة القانون، لم تعد ضربا من الوفاء للموروث بل باتت سببا في تآكله وإضعافه من الداخل، فالأدوات الفكرية والآليات التنظيمية التي صُنعت لإدارة مجتمعات المشافهة والرعي لا يمكنها بأي حال من الأحوال كبح جماح مجتمع يعيش في فضاء رقمي معولم محكوم بالسوشال ميديا والتمدد المدني المتسارع.
إن التحدي الحقيقي اليوم لم يعد مواجهة مهددات مادية تتطلب استنفارا تقليديا بل هو مواجهة "فوضى رقمية عابرة للحدود" تُدار بضغطة زر، فوضى قادرة على تمزيق النسيج المجتمعي وهدم قيم الفضل والرفعة وإشعال فتن الأنساب والتفاخر الأجوف في فضاءات افتراضية، لا يستفيد منها إلا الباحثون عن "الوهم" وصناعة المحتوى الزائف!!
أمام هذا الواقع تبرز حاجة ماسة وعاجلة لإنتاج "وعي اجتماعي جديد" وعي يتجاوز العفوية نحو الحوكمة، وينطلق من ثوابت الهوية الوطنية ليتواءم تماما مع الأنظمة السيادية للدولة.
ولتحقيق هذا الانتقال من نمط "العرف التقليدي" إلى نمط "المواطنة الواعية" أطرح هنا رؤية لميثاق قيمي ومجتمعي يرتكز على خمسة أبعاد استراتيجية:
أولا: الانتقال من الفزعة التضامنية إلى المسؤولية الفردية: في دولة النظام والقانون لم يعد مقبولا فقهيا ولا عقليا أن تتحمل الجماعة وزر أخطاء الأفراد العابثين بالنظام العام، إن ترسيخ مبدأ المسؤولية القانونية الفردية هو الخطوة الأولى لحماية المجتمع من شطحات المستهترين، وجعل القانون السيادي هو المرجعية الأولى والأخيرة في ردع التجاوزات.
ثانيا: الحوكمة المعرفية للموروث والتاريخ: إن قضايا التاريخ والأنساب ليست مشاعا رقميا للمساجلات والتكسب الإعلامي ورصانة المجتمع، تتطلب "مأسسة" هذه الملفات وحصرها في قنواتها المعتبرة من الوجهاء وأهل الاختصاص والعدالة، ومنع الاجتهادات الفردية غير المصرحة التي تفتح باب المهاترات وتجرّئ العامة على الموروث التاريخي.
ثالثا: ترسيخ الأخلاقيات الرقمية (المواطنة الرقمية): إن مواجهة الفوضى في منصات التواصل الاجتماعي (مثل X، وتيك توك، وسناب شات) لا تتم بالأدوات التقليدية كالمقاطعة المحدودة بل ببناء حصانة ذاتية وترسيخ مفهوم المواطنة الرقمية، ويشمل ذلك الامتناع الطوعي عن الدخول في مناظرات نسبية عقيمة، وإغلاق المنابر العشوائية التي تتحدث باسم المجموع دون تفويض أخلاقي أو نظامي.
رابعا: سرية الوثائق وحرمة الموثقات: إن الصكوك القديمة والمشجرات التاريخية تمثل إرثا وطنيا يحتاج إلى فحص علمي بعيدا عن صخب الرأي العام الالكتروني، والتعامل الراقي مع هذه الوثائق يوجب إخضاعها للتحقق السري والدقيق، وعند حدوث التنازع يكون اللجوء للمؤسسات الرسمية والقضائية في الدولة هو المسار الحضاري الوحيد.
خامسا: التكامل النظامي والمساندة القانونية: إن الهياكل الاجتماعية الحكيمة لا تنصب نفسها بديلا عن الدولة ولا تملك سلطة "التجريم" أو "العقاب"، بل هي خط دفاع قيمي وأدبي، ويتجلى دورها في رفع الغطاء المعنوي عن مثيري الفتن، وإعلان البراءة الفكرية من تصرفاتهم والمساندة الكاملة للجهات الأمنية في تطبيق الأنظمة، لا سيما نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية.
أخيرا، إن التحديث الذي ينشده عقلاء المجتمع اليوم ليس ابتداعا منقطع الجذور، بل هو الامتداد الطبيعي لشيمة الأجداد الذين صاغوا في زمانهم ما يصلح لعصرهم وصولا إلى الأحفاد الذين يتعين عليهم صياغة ما يواكب عصر الدولة والنظام والتنمية البناءة.
بقاء الهياكل الاجتماعية دون مراجعة وتطوير هو الذي يغذي أزمات الوعي، وقد حان الوقت ليتصدر الحكماء المشهد لتظل هذه الروابط ركيزة استقرار ومحضن عطاء ورافدا أصيلا من روافد بناء الوطن والارتقاء به تحت مظلة قيادته ورؤيته الطموحة.
_shaas_@