الرأي

القانون الدولي في زمن الحرب: عندما يتحول التفسير إلى أداة للصراع



لم تعد الحروب المعاصرة تدار بالقوة العسكرية وحدها، بل أصبح القانون الدولي أحد ميادين الصراع بين الدول. فالدول لم تعد تسعى دائما إلى تغيير موازين القوى باستخدام السلاح، وإنما قد تلجأ إلى إعادة تفسير القواعد القانونية أو توظيفها بما يخدم أهدافها السياسية والاستراتيجية. ومن هنا، فإن النزاع لا ينشأ دائما عن غياب النصوص، بل قد ينشأ عن اختلاف تفسيرها ومحاولة كل طرف إضفاء المشروعية القانونية على مواقفه.

ويأتي التصريح المنسوب إلى المتحدث باسم الجيش الإيراني، الذي ربط إعادة فتح مضيق هرمز بقبول الولايات المتحدة بما وصفه بـ«النظام القانوني الإيراني» للمضيق، ليطرح تساؤلا جوهريا حول حدود سلطة الدولة الساحلية في مواجهة النظام القانوني الدولي للممرات البحرية. فالمضائق الدولية لا تستمد نظامها القانوني من الإرادة المنفردة لإحدى الدول المشاطئة، وإنما تخضع لقواعد تنظمها الاتفاقيات الدولية والعرف الدولي بما يحقق التوازن بين سيادة الدول وحرية الملاحة.

وفي هذا السياق، يثير هذا التصريح إشكالا قانونيا بشأن النظام الحاكم للمضائق الدولية، إذ إن المادة (38) من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 تقرر حق المرور العابر في المضائق المستخدمة للملاحة الدولية، بينما تؤكد المادة (44) عدم جواز إعاقة هذا المرور أو تعليقه. ورغم أن إيران ليست طرفا في هذه الاتفاقية، فإن اتجاها واسعا في الفقه والممارسة الدولية يعد نظام المرور العابر من قواعد القانون الدولي العرفي الملزمة لجميع الدول، إلا أن إيران تتمسك بعدم انطباق هذا النظام عليها بوصفها دولة غير منضمة إلى الاتفاقية.

ومن ثم، فإن الجدل لا يقتصر على تفسير نصوص الاتفاقية، بل يمتد إلى مسألة ما إذا كانت هذه القواعد قد اكتسبت صفة العرف الدولي الملزم، وهي من أكثر المسائل إثارة للنقاش في القانون الدولي المعاصر.

كما لا يقف الخلاف عند حدود الملاحة الدولية، بل يمتد إلى تفسير الاتفاقات الدولية ذاتها. فقد أظهرت الخلافات بين الولايات المتحدة وإيران بشأن تفسير مذكرة التفاهم أن الصياغات غير المحكمة قد تؤجل النزاع بدلا من إنهائه، إذ يتمسك كل طرف بالتفسير الذي يحقق مصالحه السياسية والاستراتيجية، فيتحول الاتفاق من وسيلة لتسوية الخلاف إلى مصدر جديد له.

ولهذا وضعت اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969 قواعد دقيقة لتفسير المعاهدات. فقد نصت المادة (31) على أن المعاهدة تفسر بحسن نية وفق المعنى العادي لألفاظها، وفي سياقها، وعلى ضوء موضوعها والغرض منها، بينما أجازت المادة (32) الرجوع إلى الوسائل التكميلية للتفسير، كالأعمال التحضيرية، عند بقاء الغموض أو لتأكيد المعنى المستخلص من المادة السابقة. ويؤكد ذلك أن التفسير ليس وسيلة لإعادة صياغة الالتزامات، وإنما أداة للكشف عن الإرادة القانونية المشتركة التي اتجهت إليها أطراف المعاهدة.

ومن هذا المنطلق، فإن التوسع في تفسير العبارات العامة لإضفاء حقوق أو التزامات لم يتضمنها الاتفاق صراحة يثير إشكالا يتعلق (بمبدأ حسن النية)، وهو المبدأ الذي يقوم عليه تنفيذ المعاهدات واستقرار العلاقات الدولية. فالقانون الدولي لا يهدف إلى توفير أدوات لتبرير المواقف السياسية، وإنما إلى وضع إطار قانوني يحد من النزاعات ويحقق قدرا من اليقين في العلاقات بين الدول.

ختاما: في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، بين الولايات المتحدة وإيران يتبين أن المواجهة لم تعد تقتصر على الميدان العسكري، بل امتدت إلى ميدان التفسير القانوني. فكلما ازدادت النصوص غموضا - واتفق الأطراف عليها رغم غموضها - فإن الغرض أخذ مساحة من المناورة لاتساع مساحة التأويل، ومحاولة كسب أوراق أخرى قد تظهر مستقبلا، يصبح حينئذ القانون ذاته جزءا من أدوات إدارة الصراع.