تفاعل

أين حراس صناعة الثقافة؟

في العادة، يقاس نجاح أي مشروع ثقافي بما يحققه من حضور جماهيري، أو تغطية إعلامية، أو ربما تفاعل على منصات التواصل الاجتماعي، لكن كل هذه المؤشرات رغم أهميتها، هل تضيف شيئا لجهة الصناعة الثقافية؟ واستطرادا هل تترك أثرا معرفيا يؤسس عليها؟

الصناعة الثقافية تتمحور عن طريق منظومة تحفظ الإبداع الذي يصنعه المبدعون، وتحميه من أن يتحول إلى مجرد تجربة عابرة، وتحوله إلى نقطة انطلاق للمشروع الذي يليه. وبمقتضاه لا تقاس ثقافة الدول بعدد المهرجانات التي تنظمها، ولا بكم الأعمال الدرامية التي تنتجها، وإنما بقدرتها على تحويل كل مشروع إلى أيقونة جديدة ضمن مشروع ثقافي ممتد. هذه الفكرة يطلق عليها "التراكم الثقافي" وهو أن يصبح كل مشروع مهما كان حجم نجاحه أو تعثره، معرفة مضافة تبنى عليه التجارب اللاحقة.

التراكم الثقافي لا يعني إنتاج أعمال ومشاريع لا حصر لها، بل هو حفظ للمنجز الثقافي، وتوثيقه، وإعادة قراءته، ولهذا لا تقوم الصناعة الثقافية على المبدعين وحدهم، بل تحتاج إلى من يحرس ذاكرتها. وهنا يأتي دور ما يمكن أن نسميهم بـ"حراس الصناعة الثقافية". إنهم ليسوا حراسا للأعمال فحسب، بل حراس للهوية التي تحملها هذه الأعمال.

يبدأ دورهم قبل أن يكتب الحرف الأول، ويستمر حتى بعد انتهاء المشروع. فمن لجان قراءة النصوص، والمستشارين الثقافيين، وباحثي التاريخ، وخبراء اللهجات، ومختصي التراث، ومديري الفن، وخبراء الهوية البصرية، ومحرري المحتوى الثقافي، وصولا إلى النقاد الذين يوثقون التجربة ويقرؤونها، تتشكل منظومة كاملة تعمل ما وراء الكواليس، لكنها تحفظ أصالة المشروع.

وفي الختام يبقى السؤال: من سيحرس ذاكرتنا الثقافية بعد أن تنطفئ أضواء المسرح، وتطوى صفحات السيناريو، وتنتهي شارة النهاية؟ ربما لا نحتاج اليوم إلى فكرة الإنتاج بقدر ما نحتاج إلى من يحفظ هذا الإنتاج، ويقرؤه، ويطوره، ويورثه، فالصناعة الثقافية تحتاج إلى من يحرسها، أولئك الذين يؤمنون بأن الثقافة مشروع تراكمي، وأن كل عمل يجب أن يبدأ منه عمل آخر يبنى عليه. حتى يمتد إلى الأجيال القادمة، ليكملوا ما بدأناه.
#الثقافة#المشاريع#المشاريع الثقافية#صناعة الثقافة